page 2

Page

Like

صور المفرق-بإدارة الجرايدة

مدونة صور المفرق

مدونة صور المفرق

http://mafraq.blogspot.com/

2011-09-20

البحث عن الذات في «الحرة الأردنية»

" الراي" والبحث عن الذات في «الحرة الأردنية»



جهاد جبارة - على الرغم من الإنكسار، والأسى اللذين اوقعتهما رحلة وادي راجل في القلب التواق أبداً الى السواد الممعن في العتمة ـ واقصد رقعة الأراضي المرصوفة بحجارة البازلت الأسود ـ .
وعلى الرغم من فوران الزئبق داخل موازين الحرارة اثر حلول الصيف الذي يحمل معه الأفاعي والعقارب، والورل السام جداً، إلا أن هذا لن يحول دون عبور فيافي وتلال، وأكمات، وجبال، وقيعان تلك الساحرة السوداء ـ الحرّة الأردنية ـ (بفتح الحاء وتشديد الراء) التي استولت على مفاتيح القلب، والروح وعرفت كيف تصطادهما دون ان ترمي سهماً، او تطلق طلقة..
وعلى الرغم من مشقة المسير، فثمة على سبيل المثال مواقع لا يمكن للسيارة المخصصة للصحراء ان تقطع كيلو متراً واحداً منها بأقل من نصف ساعة، حيث الوعر الاسود الحالك الذي يُعيق حركة الدواليب... ومع ذلك فان متعة اكتشاف، او اعادة اكتشاف هذا الجزء من الوطن لا تعادلها متعة شريطة توفر كميات الصبر والجلد، والاقدام .
(الطريق إلى الصقريات)
لقد كانت وجهتي هذه المرة حرّة الصقريات وهي الحرّة التي لا يعرفها الإ القليلون، لا يسكنها الآن احد كونها من المناطق المحظورة فهي متاخمة للحدود الأردنية ـ السورية.
ان رحلة الصقريات التي قام مركز بحوث وتطوير البادية الأردنية بامدادي خلالها بكافة الأمور اللوجستية لم تكن في الغالب سهلة، وذلك لصعوبة مسالكها لكن السماء اشفقت ذلك النهار (الأحد)، حين حشدت السحب المنخفضة التي رافقتني طوال الرحلة حاجبة اشعة الشمس الحارقة بين الفينة والأخرى.
وللوصول الى الصقريات، انطلقت باتجاه «الرويشد» وقبل وصولها بحوالي خمسين كيلو مترا انعطفت نحو اليسار تاركاً الطريق المعبد لأعبر الصحراء نحوها.. وبعد مسير استغرق حوالي الساعة ظهرت براكين (الجِنَة»، و«ضبع» وسلسلة «تلال هميلان» بينما بركان «الأَشْفَقْ» كان يقف الى يساري وكأنه يراقب تحركاتي عن كثب.
لا يمكن لأي متمكن من تطويع الحروف، ان يصف سحر ذلك الحشد من البراكين التي تبقى ترافق العابر بما تحمله من هيبة ووقار...
وبعد ان راحت «تلال هميلان»، و«الضبع» تبتعد رويداً رويداً عبرت منطقة براكين «البغالي»، و«القلعة» وسمي هكذا لان على قمته ثمة تشكيلاً بازلتياً يشبه شكل القلاع... وفي ذلك الوقت كانت براكين «البسيس» تظهر الى يساري بكل ثقة وزهو.
(حشاد اخضري)
وفي متابعتي الطريق من جهة «الصقريات» عبرت منطقة حشاد اخضري والتي سميت بذلك نسبة الى وادي اخضري الذي ما ان عبرته حتى هالني ما شاهدته، لقد كان مكتظا بشجيرات الشيح التي افرزت عرقها في الأجواء، «أنه عطر البادية الشمالية الشرقية بكل ما تختزنه من سحر، وتاريخ».. وهناك على أطراف الوادي ثمة العديد من آبار طي والتي يعود انشاؤها إلى أكثر من ثمانين عاماً...
ان ماء وادي اخضري ينساب من تلال «اهميلان» جراء الأمطار المتساقطة عليها وهي بالمناسبة أمطار توصف بالغزيرة لأنها ليست امطاراً «جبهوية» بل أمطار «رعدية»... وتنساب هذه المياه باتجاه تل القلعة لتنحدر من هناك باتجاه الشرق لتلتقي مع وادي «مقاط».
(الضب)
في حشاد اخضري اعداد كبيرة «للضب» الذي يشبه التمساح، لكنه اصغر منه حجماً، وله ذنب طويل كذنب التمساح معقد، وقد ضرب به المثل اذ يقولون «اعقد من ذنب الضب» بالاشارة الى أية مشكلة معقدة ويصل طول الضب الى 70سم ولونه يميل الى الصفرة... أما اذا كثُر الضب في ارض وصفوها ارض «ضببة» او «مضبة» على غرار مذابه، او مسبحة، او مأسدة اي ذات الذئاب، والسباع والاسود.
وجاء في «حياة الحيوان» ... وتزعم العرب ان الضب اصبر الحيوانات على الجوع، وأجبنها، وأخدعها، وأبلهها ولهذا ضربوا به كثيراً من الأمثال فقالوا:«اضل من الضب» و«اعق من الضب» لانه فيما يزعمون يأكل ولده حين يجوع وقالوا «اجن من ضب» و«ابله من الضب» و«اخدع من ضب» ولعل ذاك لأنه يتلون كما ذكروا ألواناً بِحَرِّ الشمس كما تتلون الحرباء، ويزعمون ان الضب لا يرد الماء ومنه المثل «لا افعله حتى يرد الضب»...
وتبيض الضبة حوالي سبعين بيضة ويسمى الصغير حين يخرج من البيضة «حِسْل»...
وبالمناسبة كان لي قصة مع زوجين من الضب ولم اتمكن من اصطياد اي منهما حيث غافلاني ودلفا داخل جحر لم يكن مرعبا جحرهما لان عراكاً حدث مع الضب صاحب الجُحر.
الصقريات .. وصول بعد عناء
وبعد خروجي من حشاد «اخضري» راحت تلوح لي من بعيد «الصقريات» معتمة بعض الشيء (والصقريات عبارة عن سلسلة متلاصقة من ثلاثة مرتفعات اعلاها اوسطها والذي يرتفع عن سطح البحر حوالي 850 قدماً، أما الذي يتمكن من تسلق الصقريات ليلاً فيمكنه مشاهدة المساحات المضاءة من الرويشد بكل وضوح.
ومن المدهش ان الصقريات تكتسي بالثلوج في فصول الشتاء، وهنا يستطيع الإنسان ان يتخيل روعة اختلاط اللونين الابيض والاسود .. على مساحة رداء الحرّة الداكن.
ويُعتقد بأن الصقريات سميت بهذا، الاسم لان الصقور اختارت ان تبني لها أعشاشاً على قممها، ومن احد مرتفعات الصقريات حيث وقفت شدني مشهد فريد يقع الى الغرب منها لقد كان هناك «وادي الابيض» الذي تنساب مياهه من تلال «المشاقيق» ثم تعبر الجهة الغربية من الصقريات لتتجه الى الشمال الشرقي آخذة طريقها الى منطقة «الرحبة» في الأراضي السورية.
هبطت باتجاه «الأبيض» حيث كان قاعه ممتلئاً باشجار «السدر» والتي كانت تحمل ثماراَ خضراء لم تنضج بعد.
ان الطبيعة الخلابة لذلك الوادي تجعل الواحد منا لا يعود يتذكر عناء الطريق التي سلكها ليصل الى هناك.. فالتشكيلات الصخرية التي ظهرت مرتفعة جداً على ضفاف الوادي اغرت الضباع بأن تأخذ لها أوكاراً حيث تكثر المغائر التي عبرت احداها فدهشت لدى مشاهدتي للعديد من النقوش الصفوية، لقد كانت انيقة، واضحة المعالم وكأنها نُقشت امس.
غدير بخيتان
وفي موقع متعرج من وادي الابيض كان ثمة غدير للماء تحيطه اشجار السدر، وعلى مقربة من ذلك الغدير جثم قبر هو عبارة عن اكوام من حجارة البازلت ذات الاحجام المختلفة، انه قبر احد فرسان العرب قديما واسمه كان «بخيتان» وثمة قصة كنت قد سمعتها من احد البدو المعمرين قبل ذهابي الى هناك، تقول: انه «في احدى الغزوات هب احد فرسان العرب للذود عن قبيلته فقاتل بشراسة حتى اصيب ولم يعد يقوى على القتال، فما كان من الاعداء الا ان جردوه من فرسه وسلاحه والقوه وحيدا ظنا منهم انه قُتل، لكن «بخيتان» الذي اصابه العطش بقي يترنح في الموقع البعيد الذي تُرك فيه قاصدا الغدير الذي اعتاد ان يورد فرسه من مائه، لكنه اي «بخيتان» كان قد عانده الحظ هذه المرة حين تمكن من وصول الغدير الذي وجده جافا لا ماء فيه فمات على اطرافه ليسمى الغدير باسمه.
لكنني اعتقد ان بخيتان لم يكن ذا حظ سيء لان موته قريبا من الغدير الجاف خلّد اسمه الى يومنا هذا.
شواهد القبور
واعتادت العرب قديما ان تكرم موتاها في تلك المناطق ببناء القبور مستخدمين الكثير من حجارة البازلت الاسود وذلك خشية على الجثث من الحيوانات الباحثة عن الجيف، مثل الضباع، لكن المدهش ان شواهد القبور لم تكن تحمل اسم المتوفي، بل كانت تحمل اشارة وسم الابل التي تقتنيها العشيرة، ومن المعروف ان العشائر كانت تستخدم كل واحدة منها وسما خاصا بابلها لا يشابه وسوم العشائر الاخرى، والاغرب من هذا فان الانثى حين كانت تُدفن فانها لا تحظى بشاهد لقبرها مطلقا.
وفي طريق العودة شاهدت احد القبور والذي كانت تجاوره دائرة من الحجارة المرصوفة جيدا لكنها مفرغة الا من حجر واحد قيل لي فيما بعد انه يعود لرجل كان كريما مضيافا والدائرة التي تجاور القبر تعني «النُقرة» دليل الكرم.
لم تنته رحلة الصقريات بل بدأت لان ما شاهدته هناك اشعل في القلب والروح معا النار التي اطفأتها المدينة بضجيجها، وفنادقها، وصخبها وعلب الليل فيها.

جهاد جبارة

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Blog Archive

المشاركات الشائعة خلال 7 أيام

Histats

Volutpat quisque sed et aliquam

free counters

الاسم الكامل لصاحب المدونة

ALMafrag/إرشيد محمد إرشيد شحادة حميدان مفلح الراشد الهويّن الجرايدة عبدالحق محمد صالح سليمان حمد الأمير جراد/Jordan