page 2

Page

Like

صور المفرق-بإدارة الجرايدة

مدونة صور المفرق

مدونة صور المفرق

http://mafraq.blogspot.com/

2011-03-10

فايز محمود

نشر: 23/09/2005
|


د.محمد عبدالله القواسمة

لا شك أنّ العمل الإبداعي ليس منفصلاً عن منتجه، فوراء أي عمل ذات نهضت به، وتركت فيه بعض سماتها، وقد تكون هذه السمات واضحة، أو معلناً عنها في ثنايا العمل ، أو ربما مخفية أو متلبسة بوقائع متخيّلة. وهي في كل الأحوال هناك حقائق واقعيّة لا تتكشف إلا بالاطلاع على حياة الكاتب، والاقتراب من عالمه الخاص، ويكون انكشافها بعيداً عن اليقين والحكم القطعيّ؛ لأن العمل الإبداعي قضية ذاتيّة محضة تخضع لخيارات المبدع وانتقاءاته.

هكذا نستطيع أن نجد ملامح من شخصية فايز محمود في أعماله الأدبية، ونتعرف إليها وهو يتدرج في سلم الحياة، ويختبر الواقع ويعايشه من خلال الممارسة اليوميّة، وعلاقات العمل والصداقة، ومكابدة الكتابة والسياسة. ويشكل المكان الأول الذي نشأ فيه المحور الذي تلتف حوله ملامحه الإنسانية. فما هو هذا المكان؟ وكيف نعاينه في أدب فايز محمود؟

من المعروف أنّ فايز محمود ولد في مدينة المفرق 1941، وقد أعدَّ كتاباً عنها عنوانه المفرق: تاريخ صحراوي، تحدث فيه عن تاريخ المدينة ونشأتها وسكانها، كما يذكر فايز محمود هذه المدينة في مقابلته مع يحيى القيسي: "إنّ بلدتي (المفرق) تقع على سيف الصحراء فحدودها تتصل شرقاً بصحراء ممتدة تتداخل مع الحدود السورية والعراقيّة والسعوديّة في بادية الشام، والغربية منها سهوب شاحبة. كان هذا إحداثية ترسم للطفل اليافع حيث قضيت هذه الفترة معنى المكان والزمان، وتثمر في النفس زهرة برية تشرق بشيء من الجمال المكلل بالشوك المتزايد لهذا يكون الوعي يتشكل على نحو تجريدي.."

وإذا كانت هذه المدينة قد ساهمت في تشكيل الوعي لدى فايز محمود - كما يظهر في القول - ورسمت في ذهنه معنى المكان من خلال حدودها الجغرافيّة وتاريخها الممتد عبر الزمن فإنها لا بدّ وأن تبرز ملامحها في نتاجه الفكري والإبداعي لا بوصفها مكاناً جغرافياً فحسب بل أناساً ومجتمعاً وتاريخاً أيضاً. وما يهمنا هنا معاينة ملامحها المتخيّلة.

تبدو مدينة المفرق كمكان خبره فايز محمود ووعاه في عمله السردي نزف مكابر، الذي يجمع بين السيرة والقصة القصيرة، فيعرفنا العمل بالمدينة شوارعها وبيوتها وسكانها، ولكنه يتوقف طويلاً عند أسرة فايز محمود، فيصف لنا المنزل ومحتوياته، ويذكر الأب والأم والجدة والأخوة والأخوات.

فقد كانت المفرق – كما رآها فايز محمود وهو طفل – بلدة صغيرة معظم سكانها من المغاربة الذين وفدوا إليها في عشرينيات القرن الماضي فضلاً عن غيرهم من الوافدين من مختلف الأقطار العربية والإسلاميّة، وكان يقطن مشارفها الشرقية البدو الخلص، وتمتد على جهاتها الغربيّة الجنوبيّة قرى بني حسن. وهي المدينة التي مرّ بها الجيش العراقي في طريقه ليشارك في حرب فلسطين عام 1948، ويذكر فايز محمود أنّه كان يصطف مع غيره من الأطفال لوداع الجيش، وهو يسير في الطريق الرئيس الذي يمتد بين بغداد وعمان. ويقول إنّ هذه الحالة من الالتصاق بالهم العربي قد لازمته في حياته: "في تلك الأيام، وكنت في السابعة من عمري، انبثق المصير الذي لازمني وأبناء جيلي ومن لحقنا من بعد – مصيري العربي، وفي عاصفة الصراع مع الصهيونيّة والإمبريالية "الغاشمة" "

ويتردد ذكر مدينة المفرق في قصة طريق جيمس إلى العاصمة من قصص مجموعة العبور دون جدوى، ويلاحظ فيها التغير الذي يطرأ على البلدة وحياة الناس فيها، فهذا أبو عرب إحدى الشخصيات في القصة يتحسر على الأيام الخوالي، ويحنق على ولديه اللذين لم يستخدما الحطة والعقال، ويرى المفرق مدينة كبيرة مثلها مثل عمّان بعد أن كانت بلدة صغيرة ليس فيها طرق ولا مدارس ولا بنايات، ولكن أبا سويلم يحتج على مقارنتها بعمّان قائلاً: "اسكت يا زلمة لئلا يسمعك أحد، أتود أن تقارن عمان العاصمة، بالمفرق!".

أمّا بالنسبة إلى منزل أسرة فايز محمود فيتذكر فايز في نص البيت القديم.. ذكريات من كتابه نزف مكابر الغرفة التي كان ينام فيها، وما تحتويه من أثاث متواضع، فلم يكن فيها غير سرير واسع لوالديه، وخزانة بضرفتين وأريكة نصبت على عدّة تنكات رص بعضها بجانب بعض، ومذياع ذي بطارية سائلة، موضوعتين على طاولة بالقرب من النافذة. وفي المنزل غرفة أخرى تقيم فيها جدّته، وكانت تحتوي صندوقاً كان يظن فايز أنه صندوق الكنز فيه أسرار وغرائب كالذي سمع عنه في الشعبي، وبخاصة وأن جدته كانت تضع فيه المال والهدايا التي تتحفهم بها من وقت لآخر يقول عن ذلك:" تفتح الصندوق وتناولنا من محتوياته المخبوءة التي لا تنفد" .

وفي المنزل مطبخ واسع يستخدم لحفظ المواد الغذائية كالسكر والشاي والسمن و الرز والملح وكان يتم فيه الاستحمام عادة، كما كان يستخدمه فايز مكانا يقضي فيه معظم النهار والليل في المطالعة والكتابة . يقول: "مكتبي ومكتبتي هنا في المطبخ، فيه أقضي معظم نهاري وليلي الذي تمتد سهراتي فيه عاماً بعد عام "وأجمل ما في بيتهم الحوش الواسع الذي زرعت في وسطه الورود والخضراوات . أما المرحاض فكان ملاصقاً لمرحاض الجيران" بينهما شق ضئيل يمكن من خلاله لمن شاء أن يشاهد ما يجري في الجانب الآخر من جيرانه على هذه الحال"

أما بالنسبة إلى أسرة فايز محمود فتحدثنا نصوص نزف مكابر عن أنها تتكون من خمسة أشقاء وأربع شقيقات، فضلاً عن والديه وجدته لأمه، وكان هو الابن البكر في العائلة. وكان والده ذا شخصية مزدوجة يظهر التجهم والعبوس في البيت، ولكنه يبدو بين الناس بخلاف ذلك، وفي النص السابق البيت القديم .. ذكريات تلك الصفة، فعندما كان يخرج إلى عمله في شركة بترول العراق I.P.C، يصعد إلى سيارة الشركة يلاطف السائق وزميله، وينقلب شخصاً آخر يفارقه التجهم ويغدو "مرحاً ظريفاً خفيف الظل ".

وفي عمل فايز محمود ثلاث نتوش محجوبة نلاحظ أن فايز محمود لم يستطع أن يكون له مشاعر محددة تجاه والده لأنه كان قاسياً وعطوفاً في الوقت نفسه " لكنه في الأعم كان قاسياً على ذويه، ومتسامحاً مع الآخرين، وكان كريما ًبشكل مميز، لكنه أناني، لا يأبه بمصير أطفاله، وكان يضرب أمي وجدتي".

لعل هذه الصورة لوالد فايز محمود قريبة من صورة والد مجاهد في قصة الخطأ من مجموعة العبور دون جدوى، إذ تتزاحم الذكريات في ذهن الشخصية وتبرز من بينها صورة الأب، وهو يزجره لأنه كان يقرأ في كتاب "شعر كأنه يحترق، وهذه الذكريات التي تتعالى هي الدخان المتخلف.. كان والده يزجره لانكبابه على المطالعة".

أما الأم فنحس أن فايز محمود كان يحبها أكثر من والده، ويقدر فيها وفاءها وتضحيتها في سبيل أبنائها، وعطاءها الوافر وشقاءها حتى تؤمن لهم بعد موت والدهم لقمة العيش . وتبدو في قصة البيت والعالم صورتها واضحة في تلك الأم التي جاءت السجن لزيارة ابنها عربي الذي يقترب هو الآخر من شخصية فايز نفسه. في هذه الزيارة كانت تذكر ابنها بجلساتهم في أيام الشتاء حين كانوا يتحلقون الكانون على ضوء الفانوس يستمعون إلى القصص الشعبية : سيف بن ذي يزن،وسيرة بني هلال، وعنترة بن شداد، والزير سالم يقصها الوالد عليهم، تقول: " كنا لا نمل السهر، أتذكر جدتك وخالاتك، كن يأبين الانصراف حينما يأزف موعد النوم ".

وهي الأم نفسها التي يذكرها فايز محمود بشكل واضح في قصة جمر السؤال من كتابه نزف مكابر، فقد كانت الصورة الأكثر تألقاًفي سني الطفولة المبكرة والمتأخرة هي "تلك السهرة للعائلة التي يجتمع فيها شمل الأسرة الصغيرة الوالد والوالدة وجدتي لأمي وأحياناً خالتي وابنتها حيث يقرأ والدي علينا القصص الشعبية".

كانت تلك البيئة التي تشكل منها المكان الأول الذي عايشه فايز محمود، كما لاحظنا بيئة فقيرة، وأسرة كبيرة رقيقة الحال لهذا لم تتح له الفرصة كي ،يتابع دراسته، فقد انقطع عنها عام 1958 ليعمل في معسكرات الجيش في المفرق، ولما يتجاوز السابعة عشرة، ولكن على الرغم من ذلك فقد كان الكتاب لا يفارقه فترتي الإفطار والغداء يقول : "كنت أذهب من الفجر حتى المساء في العمل، وفي فرصة الإفطار والغداء أتناول كتاباً وأستغرق في القراءة " لقد التصق بالثقافة والكتابة فأنقذتاه من الضياع والانهماك في عمل آخر يعتبره مملاً، فقرأ في فترة مبكرة أعمال سارتر وفوكنر وتشيكوف وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم، وكان يقرأ أكثر مما يكتب "عندما أحلل سيرتي أكتشف مدى عجزي في الفارق بين التحصيل وإنتاجي، فشهوة المطالعة تأسرني، ولا تترك لشهيتي في الإنتاج إلا الوقت الأقل".

Mdkawasm_48@yahoo.com

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Blog Archive

المشاركات الشائعة خلال 7 أيام

Histats

Volutpat quisque sed et aliquam

free counters

الاسم الكامل لصاحب المدونة

ALMafrag/إرشيد محمد إرشيد شحادة حميدان مفلح الراشد الهويّن الجرايدة عبدالحق محمد صالح سليمان حمد الأمير جراد/Jordan